القصد الجنائي
يعرف القلة القصد الجنائي بأنه القوة النفسية التي تقف وراء نشاط المجرم الذي يستهدف به الفاعل إراديا الاعتداء على مصلحة من المصالح الحمية من طرف المشرع الجنائي، من هنا يتضح أن للقصد الجنائي عناصر ، كما أن للقصد الجنائي عدة أنواع.
المبحث الأول: عناصر القصد الجنائي.
لا يتوافر القصد الجنائي عند الفاعل إلا إن وجه الجاني نشاطه الإرادي في صورة فعل أو امتناع من أجل تحقيق واقعة إجرامية (المطلب الأول)، وكذلك يجب أن يكون الجاني عالما بحقيقة هذه الواقعة المجرمة واقعيا وقانونيا (المطلب الثاني).المطلب الأول: توجيه إرادة الجاني إلى تحقيق الواقعة الإجرامية.
إن لم يتعمد الجاني تنفيذ الواقعة المكونة للجريمة لا يتوفر القصد الجنائي، فمن يسوق سيارة بسرعة مفرطة مخالفا بذلك قانون السير، فيصدم أحد المارة فيرديه قتيلا، لا يتوفر عنده القصد الجنائي (كقاتل عمد) لأنه لم يوجه إرادته إلى تحصيل النتيجة التي هي إزهاق روح أحد المارة، وعكس ذلك في حالة ما إذا تربص شخص بأحد له عداوة به فأطلق عليه النار، مما أدى إلى قتله نجد أن إرادة الجاني وجهت إلى إزهاق روح المجني عليه، و الجاني هو الذي وجه إرادته بطبيعة الحال، ومعلوم أن إثبات وجود هذا القصد لدى الجاني أو عدم وجوده مسألة موضوعية، تنفرد محكمة الموضوع بالبث فيه.
المطلب الثاني: العلم بحقيقة الوقائع الإجرامية من الناحيتين الواقعية و القانونية.
لا يكفي لتوافر القصد الجنائي توجيه إرادة الجاني نحو تحقيق الوقائع المكونة للجريمة من الناحية القانونية، بل يلزم إضافة إلى ذلك أن يكون عالما بتلك الوقائع تمام العلم ومحيطا بها إحاطة تامة، ولا يكون هذا العلم كاملا إلا إذا كان ملما بعناصر الجريمة واقعية كانت هذه العناصر أو قانونية، ومعنى هذا أن القصد الجنائي لدى الفاعل ينتفي مبدئيا إذا وجه إرادته نحو تحقيق الواقعة -أو الوقائع- المكونة للجريمة ولكن عن جهل أو غلط في أحد عناصرها سواء كانت من الناحية القانونية أو الواقعية.المبحث الثاني: أنواع القصد الجنائي.
تتنوع صور القصد الجنائي في الجرائم العمدية.أولا: القصد العام و القصد الخاص.
أ- القصد الجنائي العام:
هو توجيه الجاني لإرادته نحو تحقيق الواقعة أو الوقائع المكونة للجريمة مع علمه بعناصرها كما يحددها القانون في النص الجنائي المجرم إحاطة تامة سواء من الناحية القانونية أو الواقعية، ولا يتبن أبد قيام جريمة عمدية دون وجود قصد عام لدى الجاني لا فرق في ذلك بين الجناية أو الجنحة أو المخالفة.
ب- القصد الجنائي الخاص:
يتأثر الجاني بعوامل مختلفة كالحاجة و اللذة و الرغبة في الانتقام ... تولد عنه عادة حالة من الحالات الانفعالية بحيث تكون محركا للنشاط الإجرامي لديه، فيندفع إلى ارتكاب الجريمة، وذلك بهدف تحصيل النتيجة التي يعتقد بأنها تحقق في نفس الوقت اشباعا للرغبة التي حركتها إحدى العوامل المؤثرة في اتجاه منحى الإجرام عند الفرد عموما.ثانيا: القصد المباشر و القصد غير المباشر.
أ- القصد المباشر:
يكون القصد مباشرا عندما تتجه إرادة الجاني إلى المس مباشرة بالمصلحة التي حماها المشرع في نص جنائي، و تستهدف في نفس الوقت نتيجة إجرامية معينة وهكذا يكون قصد الجاني مباشرا في جريمة القتل العمد حينما يأخذ الجاني أداة و يعتدي بها على المجني عليه مريدا إزهاق روحه ويحدث ذلك بالفعل.
ب- القصد غير المباشر (أو الاحتمالي):
القصد غير المباشر أو الاحتمالي هو كأن يسرع شخص بسيارته في مكان مزدحم بالمارة فيتوقع أن يؤدي إلى إصابة بعضهم ويتحقق فعلا ما توقعه.ثالثا: القصد المحدود والقصد الغير المحدود.
أ- القصد المحدود:
يكون القصد الجنائي محدودا فيما تتجه إرادة الفاعل إلى ارتكاب جريمة بنتائج محددة وكما كان يقدرها أو يتصورها عند ارتكابه لها، فهذا النوع من القصد يشكل الصورة المألوفة للقصد الجنائي، ذلك أن الذي يقتل مثلا لا يزهق عادة روح أي كان والذي يسرق لا يسرق أي شيء.
ب- القصد غير المحدود:
يعتبر القصد غير محدودا عندما تنصرف إرادة الجاني إلى ارتكاب جريمة، لكنه لا يستطيع لحظة ارتكابه لها تحديد ما يمكن أن يترتب عنها من نتائج، وبعبارة أخرى فإن القصد الجنائي يكون غير محدود إذا انصرفت إرادة الجاني إلى تحقيق واقعة إجرامية ولكنه دون تحديد تام لنتائجها ومثال ذلك أن يضع إرهابي مثلا قنبلة في طائرة لكي يثير الانتباه ويطالب بفدية مثلا، فتنفجر تلك القنبلة وتقتل عددا كبيرا من الركاب هذا القصد غير محدود لدى الجاني، إلا أنه يكون مسؤولا كقاتل عمد لتوافر القصد الجنائي المطلوب لتحقق هذه الجريمة.رابعا: القصد الفجائي والقصد المقرون بسبق الإصرار.
أ- القصد الفجائي:
القصد الفجائي كمن يرتكب الجريمة العمدية فور تقريره إتيانها، فيوصف القصد الجنائي عنده إذ ذاك بأنه قصد فجائي وذلك كمن يثور تحت تأثير إهانة أو عنف فيرتمي على المجني عليه فيقتله مثلا.
ب- القصد المقرون بسبق الإصرار:
إن مرتكب الجريمة مع سبق الإصرار لا يقدم على ارتكابها إلا بعد العزم عليها واتخاذ قرار بشأنها، ولا يكون ذلك إلا بعد التفكير العميق قد يطول أو يقصر وبالتالي تهيئ الوسائل المادية التي يستخدمها في التنفيذ و ينفذها في الأخير، فيكون مرتكبا للجريمة بقصد مقترن بسبق الإصرار.المبحث الثالث: الخطأ غير العمدي
يتوافر الركن المعنوي في الجرائم الغير العمدية فقط بسلوك خاطئ يأتيه الفاعل إرادة ولكن دون استهداف للنتيجة الجرمية التي قد تترتب على هذا السلوك، ولقد عرف القصد الخطأ غير العمدي بأنه كل فعل أو امتناع لا يتفق مع واجب الحيطة و الحذر أو أنه اتجاه إرادة الشخص إلى إتيان سلوك خطر دون القيام بما هو واجب عليه من التدبر و الحيطة.المطلب الأول: الفارق المميز بين الخطأ غير العمدي والقصد الجنائي.
إذا كان الأصل في الجرائم العمدية أن ركنها المعنوي يتمثل في القصد الجنائي، فإن جرائم أخرى تقع على نحو غير عمدي و يتخذ ركنها المعنوي صورة الخطأ، وعلى الرغم من كون القصد والخطأ صورتين للركن المعنوي فهما يختلفان في كون الإرادة يسيطر سيطرة فعلية على عناصر الجريمة كافة في حالة القصد في حين تقتصر سيطرتها على بعض هذه العناصر إذا لم يتوافر سوى الخطأ.من هناك كان الفاعل في الحالة الأولى عالما بالنشاط و النتيجة و تكون إرادته متجهة إليها معا، بينما يكون في الحالة الثانية عالما بالفعل وموجه إرادته إليه دون أن تتوافر لديه إرادة تحقيق النتيجة غير المشروعة ولكن القانون يلقي تبعتها عليه نظرا لما انطوى عليه سلوكه من تقصر تسبب عنه الإضرار بالغير.
فالفاعل في الجريمة غير العمدية وإن كان لا يقصد تحقيق النتيجة الإجرامية إلا أنه يعد مسؤولا عنها إما لأنه لم يتوقع حدوثها في حين إنه كان في استطاعته ذلك كمن يطلق عيارا ناريا وسط مجموعة من الأفراد بقصد إرهابهم مما يترتب عليه إصابة أحدهم بجروح وهذه صورة الخطأ البسيط وإما لأنه توقع النتيجة بالفعل ولكنه مضى في نشاطه اعتقادا منه أنه في استطاعته تداركها، مثلا من يقود سيارته بسرعة فائقة في شارع مزدحم اعتمادا على مهارته فيصدم شخصا و يقتله وهذه صورة الخطأ الواعي.
المطلب الثاني: عناصر الخطأ:
يقوم الخطأ غير العمدي على مفترض أساسي قوامه إتيان الجاني للسلوك على نحو مشوب بعدم احتياط ومخل بواجب الانضباط.
أ- الإهمال: ومثال ذلك الشخص المكلف بإعطاء دواء للمريض في ساعات معينة فينشغل في أمر آخر ويترك موعد الدواء فيموت المريض من جراء ذلك أو يصاب بضرر.
ب- عدم التبصر: هو خطأ يرتكب في الغالب في إطار مهني من طرف بعض الفنيين كالأطباء والصيادلة والرياضيين نتيجة عدم قيامهم بعملهم كما يجب أو هملهم بقواعد فنهم.
ت- عدم الاحتياط: ومثال ذلك كالسائق الذي يسوق سيارة في مكان آهل بالمارة بسرعة كبيرة غير مناسبة لظروف الزمان والمكان فيصدم أحد المارة ويقتله أو يصيبه بأذى.
ث- عدم الانتباه: يظهر في النشاط الذي يرتكبه صاحبه بكيفية لا يمكن أن يعذر عنها كمن يقود كلبا شرسا دون أن يحكم حراسته، فيفلت منه ويهجم على أحد المارة فيصيبه بجروح.
ج- عدم مراعاة النظم القانونية: كالنظام الذي بموجبه يمنع التدخين في أماكن انتاج الغاز وتعبئته.
ح- الرعونة: وهي كقيام أحد الأشخاص برمي أحد الأشياء الثقيلة من شرفة المنزل إلى الشارع فيصاب أحد المارة في رأسه فيموت أو يصاب بجروح خطيرة، فنكون أمام رعونة هنا حيث أن الشخص أتى سلوكا دون اتخاذه للاحتياط اللازم لتلافي ومنع وقوع بعض النتائج الضارة.
تعليقات: 0
إرسال تعليق